سعيد عطية علي مطاوع

217

الاعجاز القصصي في القرآن

نوح " لم يهلك جميع النوع ، وقد بعث اللّه في كل أمة نذيرا ، واللّه سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا ، كما ذكر ذلك عن غيرهم ، بل ذكر أنهم ألقوه في النار ، فجعلها بردا وسلاما ، وفي هذا ظهور برهانه وآياته ، حيث أذلهم ونصره ، " فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ " ( الصافات : 98 ) . وهذا من جنس المجاهد الذي يعرض عدوه ، والقصص الأول من جنس المجاهد الذي قتل عدوه ، وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم ، وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا ، ولم يوجد في حق " إبراهيم " سبب الهلاك ، وهو إقامته فيهم ، وانتظار العذاب النازل ، وهكذا " محمد صلي اللّه عليه وسلم - مع قومه ، لم يقم فيهم ، بل خرج عنهم حتى أظهره اللّه عليهم بعد ذلك ، و " محمد " و " إبراهيم " أفضل الرسل ، فإنهم إذا علموا حصل المقصود ، وقد يتوب منهم من تاب ، كما جري لقوم " يونس " ، فهذا التناسق الفني والموضوعي - واللّه أعلم - هو السرّ في أنه سبحانه لم يذكر قصة ( إبراهيم ) مع هؤلاء ، لأنها ليست من جنس واقعتهم 32 . فإن قيل : فما وجه الخصوصية بمحمد وإبراهيم بذلك ؟ فالجواب : أما حالة " إبراهيم " فكانت إلى الرحمة أميل ، فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم ، وقد قال اللّه تعالى : " وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ " ( إبراهيم : 13 - 14 ) ، وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم فعوقبوا ، وقوم إبراهيم وإن أوصلوه إلى العذاب ، لكن جعله اللّه عليه بردا وسلاما ، ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب ؛ إذ الدنيا ليست دار الجزاء العام ، وإنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة ، كما في العقوبات الشرعية ، فمن أرادوا عداوة أحد من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه اللّه ، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه ، ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره ، فهو أشبه بإبراهيم عليه السلام ، إذ عصمه اللّه من كيدهم وأظهره حتى صارت الحرب بينهم وبينه سجالا ، ثم كانت له العاقبة فهو